عودة إلى الصفحة الرئيسية
يعود تأسيس حزب الكتلة الوطنية ككتلة نيابية ثم كحزب سياسي الى حقبة الأربعينات، حيث كانت القوى السياسية في لبنان تنقسم بين الكتلويين برئاسة إميل إده، والدستوريين برئاسة بشارة الخوري. وبينما كان الأول يعارض انتهاء فترة الإنتداب الفرنسي على لبنان لظنّه أنّ هذا الأخير سوف يقع تحت وصاية أخرى طالما لم يكتمل تأسيس الدولة اللبنانية، كان الثاني يطالب باستقلال لبنان الفوري وباختصار فترة الإنتداب المقرّرة.

في العام 1943، أعلن إميل إدّه عن قيام الكتلة الوطنية ككتلة سياسية في البرلمان اللبناني وأقّر برنامج عملها الإنتخابي الذي شكل حجر الأساس في تأسيس الحزب بعد ذلك. وتضمّنت الورقة البنود التالية:
  1. استقلال لبنان التام.
  2. تعلّق لبنان بقضية الأمم المتّحدة.
  3. توثيق علاقات الودّية مع الأقطار الشقيقة المجاورة على أساس الإحترام المتبادل والسيادة الكاملة.
  4. لبنان بلد ديموقراطي صرف، يستمر على احترام جميع الأديان ولا يستند الى أحدها للحكم، يضمن المساواة في الحقوق المدنية والسياسية لجميع اللبنانيين من غير تمييز، يؤمّن لمختلف عناصر البلاد تمثيلاً عادلاً في الوظائف العامة باعتبار الكفاءة والإستحقاق.
  5. إصلاح الإدارة العامة.
  6. نشر التعليم وتعميمه وتثقيف الشبيبة اللبنانية تثقيفاً لبنانياً صحيحاً.
  7. تعميم طرق الوقاية والتدابير الصحية.
  8. إنهاض مرافق البلاد بتنمية الزراعة والسياحة والتجارة والصناعة.
  9. تنفيذ برنامج عام للري.
  10. إصلاح اجتماعي.
  11. صيانة مصالح اللبنانيين المغتربين.
  12. ضم جميع اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم في قومية موحدة أي الوطن اللبناني.
وفي 15 أيار 1946، مُنح إميل إده رخصة لتأسيس حزب الكتلة الوطنية بشكل رسمي ليصبح هو عميداً له. ومنذ ذلك الحين، خاض الحزب بزعامة عميده العديد من الحملات المعارضة لحكم بشارة الخوري، لا سيما بعد الإنتخابات النيابية في العام 1947 حيث اتهم الخوري بتزوير النتائج، فعاهد إميل إده ان يقاطع عهده الجديد. إلا أنّ هذا الأخير توفي في 27 أيلول 1949 تاركاً لإبنه البكر، ريمون، حملاً ثقيلاً وإرثاَ سياسياً معارضاً بشدّة، فحمل ريمون اده الراية بوفاء وأمانة، وتابع مسيرة والده. فأعلن العميد الجديد رفضه الشديد لسياسات بشارة الخوري خاصة وأن حزب الكتلة الوطنية كان يتعرض للإضطهاد السياسي من قبل عهد الخوري.

خطّ العميد ريمون إدّه المراحل الأساسية للحزب، حيث بقي رئيساً له لأكثر من نصف قرن. ففي العام 1952، شكل العميد إلى جانب العديد من خصوم بشارة الخوري الآخرين "الجبهه الإشتراكية الوطنية" التي ضمّت كبار رجالات السياسة ومنهم كمال جنبلاط، كميل شمعون، أنور الخطيب، عبد الله الحج، غسان تويني وغيرهم من السياسيين. وما لبثت الجبهة أن نجحت بالقيام بالإنقلاب الأبيض حيث أقامت اضراب شامل لمدة 3 أيام ونجحت بقلب الشارع على الرئيس الخوري فاضطّر إلى تقديم استقالته في 18 ايلول 1952. كما تمكّنت الجبهة من القدوم بكميل شمعون الى رئاسة الجمهورية ممّا أعاد للكتلة الوطنية اعتباراً كانت قد فقدته خلال عهد الخوري، فباتت تشكل قوة لا يستهان بها.

في منتصف الخمسينات، ومع بدء سيطرة المدّ العربي على المنطقة، تجنب الحزب بقيادة عميده من دخول التحالفات، ورفض أن يأخذ موقفاً مؤيّداً لأيٍ من حلفاء الأمس الذين أصبحوا على خصومة بين مؤيدي حلف بغداد (كميل شمعون) ومؤيدي جمال عبد الناصر (كمال جنبلاط). وغرقت البلاد في العام 1958 بحرب اهلية، رفض حزب الكتلة الوطنية أن ينخرط بها فكان الوسيط بين الأطراف المتنازعة وبقي يناضل حفاظاً على وحدة اللبنانيين ومنعاً للتدخلات الأجنبية في الشؤون اللبنانية.

في عهد الرئيس فؤاد شهاب، أكملت الكتلة مسيرتها المعارضة فرفضت "عسكرة النظام" وكان خلاف العميد الأساسي مع المكتب الثاني، أي مخابرات الجيش. وانقسمت البلاد في تلك الفترة بين الشهابيين، أي الموالين لحكم الرئيس شهاب، والمعارضين الذين رفضوا تدخلات المكتب الثاني وتعدّيهم على الحريّات. فما كان على العميد إلاّ أن استقال من مناصبه الوزارية في العام 1959 اعتراضاً على تعسّف الحكم، ليبلغ الخلاف بين ريمون إدّه والشهابية أوجه في العام 1964 بعد ان سقط جميع نواب الكتلة في الإنتخابات وتم الإعتداء على العميد.

بعد انتهاء عهد شهاب، تابع حزب الكتلة معارضته للحكم باعتبار عهد شارل الحلو الجديد استكمالاً للعهد القديم. وفي العام 1965، عاد العميد الى البرلمان وكان مصرّاً على وضع حدّ للشهابية السياسية، فشكّل في العام 1968 "الحلف الثلاثي" إلى جانب حزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار. وقد حقّق الحلف الجديد نتائج بارزة في الإنتخابات النيابية التي لحقت تأسيسه ذلك العام بنيلها ثلاثين مقعداً من أصل 99. وعلى الرغم من تحقيق الحلف للعديد من أهدافه، لم تلبث الكتلة الوطنية أن اختلفت مع حزب الكتائب وقياداته على خلفية إبرام اتفاقية القاهرة وبعدما حاول الكتائبيون في عدة مناسبات أن يستهدفوا أعضاء الكتلة، لا سيّما العميد نفسه خصوصاً بعد اندلاع الحرب اللبنانية في 13 نيسان 1975 ورفض الكتلويين الإنخراط بها.

ونظراً للظروف الأمنية المتأزّمة ولتعرّض العميد إلى عدّة محاولات اغتيال، سافر ريمون إدّه الى فرنسا حيث استقّر في باريس وتابع قيادته للكتلة من هناك، فافتقدت الساحة السياسية اللبنانية في البرلمان والحكومة شخصيّة فريدة وحازمة تركت وراءها فراغاً كبيراً.

إلاّ أن الحزب بقي مواكباً لجميع التطورات السياسية المحلية ولم يوفّر العميد وسيلة تواصل إلاّ واستعملها للتصريح عن مواقف الكتلة والحرص على إسماع صوتها. وفي العام 1988، بعد انتهاء عهد الرئيس أمين الجميل، تأسّست "لجان أصدقاء العميد" التي عملت كقوّة موحدة وفاعلة لنيل ثقة الرأي العام ومن ثم ترشيح ريمون إدّه إلى رئاسة الجمهورية باعتباره المرشح الأنسب والأوفر حظاً للرئاسة. لكنّ الإستحقاق لم يأتِ، فسّلم أمين الجميل قائد الجيش الجنرال ميشال عون رئاسة الحكومة لقيادة المرحلة الإنتقالية والتحضير لإجراء الإنتخابات الرئاسية. إلاّ أنّ الأمور تعقدّت ودخل لبنان مرحلة دموية جديدة مع حربي الإلغاء والتحرير، وآلت الأمور الى انعقاد قمّة طارئة في المملكة العربية السعودية أدّت الى إبرام اتفّاق الطائف الذي رفض حزب الكتلة الوطنية أن يصدّق عليه.

في العامين 1992 و1996، قاطع حزب الكتلة الوطنية الإنتخابات النيابية بناءً على طلب عميده الذي آمن أنّ الإنتخابات لا تكون شرعية في ظل احتلال الجيش الإسرائيلي والقوات السورية للبنان. أمّا في العام 1998 فقد عقد الحزب خلوة في باريس جمعت العميد مع أعضاء الحزب وأعلن خلالها عن نيته الإشتراك بانتخابات العام 2000 لكنّ القدر كان أقوى منه فتوّفي في أيار 2000، ليتّم تعيين كارلوس اده، ابن شقيقه بيار إدّه، عميداً جديداً للحزب. وعلى هذا الأثر، قاطع الحزب انتخابات العام 2000، ثم شارك في انتخابات 2005 بعد خروج الجيش السوري دون الحصول على أيّة مقاعد في البرلمان.