عودة إلى الصفحة الرئيسية
ريمون إدّه مثالٌ للسياسي المستقل والمتمرّد على الأحكام المسبقة. فهو لم يدخل عالم السياسة صدفة أو لمجرّد أنّ والده كان الرئيس الأسبق إميل إدّه بل لأنّه آمن بلبنان الرسالة وأراد أن يدافع عنه وعن أرضه حتى الرمق الأخير.

في الكتلة الوطنية
بعد ان توفي والده، انتخب ريمون إدّه في العام 1949 خلفاً له وعميداً لحزب الكتلة الوطنية. وعلى الرغم من أنّ إميل إدّه كان هو من أسّس الكتلة ورسم خطّها السياسي، كان ريمون إدّه هو من واكب تطورّها وتكلّم باسمها في أوقات المحن والأزمات والصراعات، فصبغها بلون السلام ولونّها برؤيا أقّل ما يقال عنها أنّها صائبة. وقد ورث العميد عن والده مبادئه وأفكاره وتبنّى جميع مواقفه فبدأ حياته السياسية بمحاربة بشارة الخوري، الخصم الأوّل للكتلة الوطنية.

في البرلمان اللبناني
لم يدخل ريمون إدّه البرلمان اللبناني قبل العام 1953، حيث انتخب نائباً عن جبيل، ليتم انتخابه مجدّداً في الأعوام 1957، 1960، 1965، 1968 و1972.

وقد مارس ريمون إده حقّه الإشتراعي بامتياز فلم ينأ عن اقتراح مشاريع القوانين التي من شأنها أن تؤمن للبنان الإستقرار والإزدهار والأمان. ومن أهم إنجازاته في هذا الحقل:
  • اقرّ قانون السرية المصرفية فجلب الرساميل العربية التي ساهمت في تحقيق الازدهار والنمو.
  • قدّم قانون الإثراء غير المشروع الذي يعرف بقانون "من اين لك هذا؟".
  • طرح مشروع عصري وحديث للقانون الانتخابي، دعى فيه الى: جعل الدائرة الفردية المنطلق الوحيد للتمثيل الشعبي، إعطاء المرأة حق الانتخاب، منح المغتربين حق المشاركة في الانتخابات ترشحاً واقتراعاً، إنشاء الغرفة العازلة والبطاقة الانتخابية، إحداث الظرف الانتخابي الخاص، تحديد كيفية إجراء الاعمال الانتخابية بدقة وشفافية، تحديث لوائح الناخبين وجعلها في متناول كل ناخب، تحديد المصاريف الانتخابية، إيجاد هيئة قضائية خاصة للطعن في الانتخاب.
  • طرح قانون الحساب المصرفي المشترك.
  • طرح مشروع الزواج المدني الذي اعتبره وسيلة جديّة لخلق مجتمع متماسك.
  • طرح مشروع اعفاء المزارعين من الضرائب.
في الحكومة اللبنانية
شارك ريمون إدّه بعدة حكومات لبنانية وشغل مناصب وزارية عدّة هي:
  • بين 14 تشرين الأول 1958 و7 تشرين الأول 1959، أي في عهد الرئيس فؤاد شهاب وحكومة الرئيس رشيد كرامي الرباعية شغل إدّه منصب وزير الداخلية بالإضافة الى منصب وزير البرق والبريد والهاتف ووزير العمل ووزير الشؤون الإجتماعية؛ ثم عين وزيرا ً للدفاع و الخارجية بالوكالة لمدة شهر واحد ليستقيل من جميع مناصبه الوزارية في العام 1959.


  • بين 20 تشرين الأول 1968 و 15 تشرين الأول 1969، أي في عهد الرئيس شارل حلو وحكومة الرئيس عبدالله اليافي الرباعية الإستثنائية تسلم العميد أربع وزارات هي : الأشغال العامة، الموارد المائية والكهربائية، الزراعة، والتصميم؛


  • بين 15 كانون الثاني 1969 ولغاية 22 كانون الثاني 1969، أي في عهد الرئيس شارل حلو وحكومة الرئيس رشيد كرامي حمل ريمون إده حقيبة الاشغال العامة واستقال من هذه الحكومة بعد الغارة الإسرائيلية التي دمرت الطائرات المدنية التابعة لشركة طيران الشرق الأوسط حيث طالب في حينها بالبوليس الدولي على الحدود بين لبنان وإسرائيل لحماية لبنان.

رئاسة الجمهورية
لم يكن ريمون إده يسعى وراء منصب رئاسي، على الرغم من أنّه كان "المرشّح الدائم والأوفر حظاً للرئاسة". وقد طرح اسمه لأول مرة لمنصب رئيس الجمهورية في العام 1958 حيث ترشح ضد اللواء فؤاد شهاب قائد الجيش آنذاك، دون أن يؤدي ذلك الى نيله اللقب، ليتم ترشيحه لاحقاً قي عدة مناسبات لا سيما في 8 آيار عام 1976، حيث ترشّح ضد الرئيس الراحل الياس سركيس، إلا أنه انسحب قبل حصول اﻹنتخابات. في العام 1982 طرح اسمه مجددا ً كمرشح للرئاسة بعد اغتيال الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل، إلاّ أنّ تسلّم أمين جميّل زمام الرئاسة بدّد حلم العديدين بأن يصبح ريمون إدّه الرجل الأول في لبنان.

التحالفات
في العام 1952, دخل ريمون إدّه أوّل تحالف له في سياق معارضته الشديدة للرئيس بشارة الخوري، فشكّل "الجبهة الإشتراكية الوطنية" الى جانب كمال جنبلاط وكميل شمعون وغسان تويني وعبد الله الحج وغيرهم من الشخصيات البارزة والمعارضة لسياسات الحكم آنذاك.

عام 1968، التقى مجدداً مع بعض الأطراف اللبنانية على معارضة الحكم - هذه المرّة برئاسة شارل حلو – وكذلك معارضة العمليات الفدائية الفلسطينية المنطلقة من لبنان. فما كان على ريمون إدّه إلاّ أن تحالف مع كميل شمعون وبيار الجميل تحت لواء ما عرف ب"الحلف الثلاثي". وقد حقّق هذا الأخير انتصارات كبيرة في محاربة الشهابية السياسية لا سيّما بعد أن تمكّن من إيصال جميع مرشحيه الى البرلمان إثر إنتخابات 1968 النيابية. عام 1974، شكل العميد "جبهة اﻹتحاد الوطني" مع الرئيسين صائب سلام ورشيد كرامي وضمّت هذه الجبهة أيضاً نواباً وشخصيات من طوائف مختلفة وعملت إلى التوسط ومقابلة الوسطاء العرب في إطار السعي لتشكيل قوة ثالثة مسالمة تفصل بين الفلسطينيين والجيش اللبناني. لكن موقف الجبهة تطور في تشرين الأول 1976 إلى موقف المعارضة للوجود السوري في لبنان، فصدر عنها بيان عنيف شارك في صياغته كرامي وسلام وإده، مسنكرةً فيه اﻹحتلال السوري لمزيد من الأراضي اللبنانية، ومطالباً سوريا باﻹنسحاب الفوري. وإثر احتدام العلاقة بين الجبهة وسوريا، خرج الرئيس كرامي من التحالف بعدما تبين له الأبعاد اﻹقليمية لما يحصل في لبنان ثم لحق به الرئيس سلام، ليبقى ريمون إده بمفرده في وجه الوصاية السورية.

قرار مغادرة لبنان
مع اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975، تعرّض ريمون اده لسبع محاولات اغتيال وكاد يقتل في ثلاث منها. عام 1976، قام العميد بزيارة للرئيس السادات في القاهرة، قرر على أثرها أن ينفي نفسه إلى فرنسا لمواصلة عمله السياسي من هناك. وفي أسباب ذلك أنّ السادات أطلع العميد على لائحة بأسماء شخصيات سياسية ودينية مقرّر تصفيتها وفي مقدّمتها اسمه واسم كمال جنبلاط، فأبى أن يكون ضحية الإغتيالات والمخططات الدولية والإقليمية ورفض أن يسكت صوته المعارض والمدوي لأنّه شعر أنّ دوره في الدفاع عن لبنان لم ينتهي بعد.

في المنفى وحتى الوفاة
على الرغم من تواجده خارج لبنان، إلاّ انّ ريمون إدّه كان بمثابة الحاضر الغائب على الساحة السياسية اللبنانية، وكان الجميع يخشى أن يطالهم تصريح من تصاريحه اللاذعة التي تسمي الأمور باسمها. وكانت للعميد آراءه ومواقفه من كل شاردة وواردة، فرفض العدوان الإسرائيلي، وحارب الوجود السوري، وانتقد التدخلات الأجنبية المستمرة في الشؤون اللبنانية، كما أسف على هجرة الشباب الكثيفة وانتقد الفساد في الحكم وإنصياع المسؤولين للأوامر الخارجية. وبالتالي، لم ينجح خصوم العميد ريمون إدّه من إسكات صوته الديموقراطي طيلة فترة وجوده في باريس حتى وفاته في أيار 2000، لتبقى مواقفه وأقواله دساتير يعود الى بنودها كل من عمل بالسياسة في لبنان.